آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 5:59 م

نحو أمة تحب العلم

بدر شبيب الشبيب *

برغم ما يتلوه المسلمون من نصوص قرآنية وحديثية تحث على العلم وتبين أهميته ومكانة العلماء ووجوب توقيرهم، إلا أنها تعيش حالة غير علمية على جميع الأصعدة، حتى أصبح المنجمون وقارئو الكف والفنجان وأمثالهم أصحاب البضاعة الرائجة الذين يزدحم على أبوابهم الناس لمعرفة مستقبلهم على المستويين الشخصي والعام، وربما لعلاجهم من الأمراض المستعصية، أو مساعدتهم في الحصول على زوج أو زوجة أو وظيفة، أو تخليصهم من الجن الذي يطيب له المقام في الأجساد العربية، ولا أعرف السر في ذلك. صار حجز موعد مع أحد الدجالين أصعب من حجز موعد مع أكبر الأخصائيين في مستشفى مايو كلينيك.

كان يمكن أن يكفينا نص قرآني واحد كي نتحول إلى أمة دأبها العلم. ففي قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً توجيه يغني عن غيره للأخذ بالعلم في كل حركة من حركاتنا أو سكنة من سكناتنا. ولكننا مع الأسف بعيدون عن العلمية، نتخبط معرفيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.

نقرأ في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، ويبقى العالم الرباني في الأمة آخر المستشارين.

ونقرأ في الأحاديث والروايات الشريفة، قول رسول الله ﷺ: العلماء أمناء الله على خلقه/ العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا/ العلماء قادة والمتقون سادة/ فضل العالم على غيره كفضل النبي على أمته. نقرأ هذا ثم لا يكون للعالم الحقيقي المكانة التي يستحقها بيننا.

إن واحدا من أسوأ الأدواء التي تفتك بنا اليوم هو ابتعادنا عن العلم والعلمية والعلماء. لذا صار الكل يتحدث في كل شيء، وخصوصا فيما يتعلق بالشأن الديني، وكأن الدين أمر لا يخضع للتخصص، بل هو مجال مباح للنطيحة والمتردية. من هنا نشأت حالات التكفير والتبديع والتفسيق لغياب الضوابط العلمية والمرجعية التي بها تعرف حدود المصطلحات والمفاهيم. وفي نفس السياق نفهم ما يحدث من تعاطي البعض مع النصوص الدينية دون امتلاك أدنى أدوات التعامل، فيردُّ نصا هنا، ويؤول نصا هناك، من غير أن يكلف نفسه عناء سؤال المختصين في ذلك المجال الذين أفنوا أعمارهم في التعمق في تلك النصوص ودراستها سندا ومتنا ودلالة.

لقد استشرى هذا الداء في الأمة حتى بدا عصيا على العلاج، ولكن يبقى الأمل معقودا على الأجيال الجديدة كي تأخذ بمنهج العلم فتكون قادرة على تشخيص العلماء الأبرار، ووضعهم في الموقع الذي ينبغي أن يكونوا فيه، ومنحهم الحب الذي يستحقونه.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.