آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 5:59 م

هل يمكن استنساخ مانديلا عربيا؟!

بدر شبيب الشبيب *

الرئيس نيلسون مانديلا الذي رحل في ديسمبر 2013 يعتبر واحدا من القيادات التاريخية المميزة في العصر الحديث. ومع أني لم أعثر على مواصفات معيارية محددة متفق عليها للقائد التاريخي، إلا أنه يمكن القول بأن الحكمة النافذة والبصيرة الثاقبة والوعي الاستثنائي والقدرة على استيعاب الآخر واستثمار جميع الموارد المتاحة إلى أقصى مدى ممكن تشكل بعض المعايير الهامة، وقد تمتع بها مانديلا دون أدنى شك.

عند مطالعة سيرة هذا الرجل وما صنعه في جنوب أفريقيا، حيث استطاع تجاوز جراحاته الشخصية العميقة المتمثلة في «27» عاما من السجن، وما يعنيه ذلك من معاناة تستعصي على النسيان؛ ومضى يؤسس لوطن جديد يوحد كافة أبنائه الذين كانوا ممزقين وفق تصنيفات ظالمة؛ أقلية حاكمة قوامها 4 مليون من البيض، وأغلبية قوامها 29 مليونا من السود والملونين والآسيويين، محكومة حكما عنصريا.

أقول عند مطالعة سيرته والتوقف عند بعض المحطات المفصلية منها، سندرك مدى الحاجة لاستنساخه عربيا، خصوصا في الوقت الراهن الذي تشهد فيه الساحة العربية انقسامات حادة جدا تنذر بخطر كبير.

في أول انتخابات عامة متعددة الأعراق في أبريل 1994، كان فوز حزبه، حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ساحقا بنسبة قاربت الثلثين من الأصوات، وانتخب هو رئيسا لجمهورية جنوب أفريقيا. وبرغم استحواذ حزبه على أغلبية مقاعد البرلمان، فإنه قام بتشكيل حكومة وحدة وطنية من حزبه والحزب الوطني «حزب البيض» وحزب إنكاثا للحرية وحزب الزولو. وبذلك أعطى درسا مهما بأن التوافق عامل هام وحاسم خصوصا في المرحلة الانتقالية، إذ من خلاله يمكن التواصل بين مختلف الأطراف وبناء جسور الثقة. كما عيَّن له نائبين أحدهما من خصوم الأمس، وهو فريدريك دي كليرك.

كان همه الأكبر أن يحول بلاده إلى مجتمع يتوحد في تنوعه، أو ما أطلق عليه ديزموند توتو «أمة قوس قزح». يقول مانديلا: كانت رؤيتنا للديمقراطية محكومة بمبادئ من بينها مبدأ يقول: إنه لا يجوز أن يتعرض أي شخص أو تتعرض أي مجموعة من الأشخاص للاضطهاد أو الإخضاع أو التمييز بسبب العرق أو الجنس أو الأصل الإثني أو اللون أو العقيدة، وما إن وصلنا إلى السلطة حتى قررنا اعتبار تنوع الألوان واللغات مصدرًا للقوة، بعد أن كان يستخدم في الماضي للتفرقة بيننا.

كان من الممكن أن تدخل بلاده في حرب أهلية انتقامية بعد فوز السود ووصولهم إلى سدة الرئاسة، ولكنه استطاع بحكمته المساهمة في تكوين لجنة الحقيقة والمصالحة التي تولت ملفات الماضي من قتل وتعذيب واغتصاب وغيرها في ظل نظام الفصل العنصري البائد، وكان لهذه اللجنة الدور الأكبر في تجربة العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية وإبعاد شبح الحرب الداخلية.

في عام 1995 استضافت بلاده بطولة كأس العالم للرجبي. كان السود يعتبرون فريق جنوب أفريقيا للرجبي «وهم من البيض» فريقا يمثل نظام الفصل العنصري، وبالتالي فهم يفضلون تشجيع الفريق المنافس. أما هو فوجد الفرصة مواتية لالتئام الشمل، فتصرف كرئيس للجميع، وسار خطوة واثقة أخرى في طريق المصالحة والوحدة. شجع السود على دعم فريق بلادهم، وبعد الفوز، قدم مانديلا الكأس لقائد الفريق الأبيض فرانسوا بينار. وكان مانديلا يرتدي قميصا يحمل رقم اللاعب بينار، واعتبر هذا الحدث رمزا للمصالحة بين السود والبيض في جنوب أفريقيا.

عمل مانديلا على تقليص الفوارق الموروثة من النظام السابق، من خلال برامج اقتصادية واجتماعية عملاقة، وكذلك من خلال سن التشريعات المناسبة في هذا الإطار، كقانون المساواة في التوظيف مثلا. كان من نتائج برنامج التعمير والتنمية أنه بين عامي 1994 وأوائل عام 2001، بنيت أكثر من مليون ومائة ألف منزل بتكلفة منخفضة، لإسكان خمسة ملايين جنوب أفريقي من أصل اثني عشر مليون ونصف المليون يعانون من إيواء سيئ. وأصبح قرابة نصف المديرين من المرتبة المتوسطة وربع المديرين من المرتبة العليا في جنوب إفريقيا اليوم من السود، مقابل لا أحد تقريبًا قبل عشر سنوات؛ وصار اقتصاد جنوب أفريقيا واحدا من أقوى اقتصاديات القارة السوداء.

وفي سابقة لا يفعلها إلا مثله، لم يرشح نفسه للرئاسة مرة ثانية رغم نجاحاته الباهرة. فهل بعد هذا نُلام إن دعونا لاستنساخ مانديلا عربيا.