آخر تحديث: 1 / 12 / 2020م - 1:40 م

وابي سابي مرة أخرى

بدر شبيب الشبيب *

تحدثنا فيما سبق عن مفهوم الوابي سابي باعتباره منظورا يابانيا للجمال يقوم على أساس الاحتفاء بالبساطة، وتقبل الأشياء، ورؤية جمالياتها، والتغاضي عن جوانب النقص والخلل فيها، والنظرة للأشياء العتيقة التي تقادمت بمرور الزمن نظرة جمالية مختلفة تركز على أصالتها وليس على شروخها وندوبها وتشققاتها وتصدعاتها وما أكل الدهر منها وشرب.

هل كنا يابانيين بالفعل؟! ربما. فإذا كان الاحتفاء بالقديم واحدا من معاني الوابي سابي، فقد كان من المهن القديمة عندنا شراء الأشياء القديمة من زري عتيق وصُفُر عتيق. أما الزري فهو ”الخيوط الذهبية الموجودة في العباءات الرجالية «البشوت» والملابس النسائية «الأثواب»، وعندما تبلى تلك الملابس وتصبح قديمة تؤخذ خيوطها الذهبية «زريها» ويحتفظ بها حيث يقوم أبناء من يعملون بالذهب «الصاغة» بالتجوال بين الأحياء و«السكيك» منادين «من عنده زري عتيق» فتباع عليهم بمبالغ بسيطة“. وأما الصُّفُر العتيق فيقصد به الأواني النحاسية المستخدمة.

وعندما أعود للشعر العربي أجد الشاعر العباسي علي بن الجهم يابانيا حين يقول:

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها * كفى المرء نُبلا أن تُعد معايبه

كذلك أجد بشار بن برد هو الآخر «وابي سابيا» في بائيته «موت الفجاءة» حين يقول:

إذا كنت في كل الأمور معاتبا * صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

فعش واحدا أو صل أخاك فإنه * مفارق ذنب مرة ومجانبه

تُرى هل سبق العربُ اليابانيين في تطبيق هذا المفهوم؟ أم أنهم نظّروا له فقط، وما استطاعوا تطبيقه بسبب مزاجهم الحاد الذي لا يرى من ألوان الطيف إلا الأبيض والأسود؟!

ما ذكره الشاعران يتحدث عن حقيقة جميلة نغفلها كثيرا في معاملاتنا اليومية. الحقيقة تقول: إذا أردت أن تكون ناجحا في علاقاتك الاجتماعية، فتقبل النقص والخلل من الآخرين، ولا تطلب منهم الكمال. وبغير ذلك ستكون كمن يطلب المستحيل. وكما يقول الشاعر أبو الحسن التهامي في قصيدته المشهورة:

وإذا رجوت المستحيل فإنما * تبني الرجاء على شفيرٍ هارِ

والمقصود بالعلاقات الاجتماعية ما يشمل العلاقات داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع بعضهم بعضا، أو بين المجتمع والمجتمعات الأخرى.

لسنا بحاجة لتحليل الحمض النووي DNA لمعرفة إمكانية يابانيتنا، فما نحتاجه هو العودة للقيم التي كنا نمارسها عن فطرة ذات حقبة زمنية، ثم تركناها واستسلمنا للاستلاب الثقافي الذي أعاد صياغة المفاهيم والقيم، ونجح إلى حد بعيد في إبعادنا عن الجماليات الحقيقية العميقة لصالح العابر الطارئ. أعلم أن لدينا من التوجيهات القرآنية والحديثية ما من شأنه أن يجعلنا متفوقين جماليا على اليابان وغيرها لو التزمنا به حقا، وما ذكرته عن الوابي سابي هو من باب «الحكمة ضالة المؤمن».

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.