آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 5:59 م

الوعي الذي لا يُقاس

بدر شبيب الشبيب *

ربما لأن السياسي لا يريدها، أو لأن موضوعها شائك وحساس، يظل البحث عن دراسة تُعنى بقياس الوعي السياسي في عالمنا العربي أصعب من البحث عن الكبريت الأحمر الذي يُضرب به المثل في الندرة. هل تذكرون شائعة الزئبق الأحمر وماكينة الخياطة من نوع سنجر التي بيعت بأضعاف أضعاف سعرها ليتبين بعد ذلك أن الأمر مجرد خدعة، وأن هذه المادة قد تكون من اختراع الخيال البشري فقط؟ طبعا لا علاقة للكبريت الأحمر بالزئبق الأحمر، ولكن قصة مكائن الخياطة تلك قد تكشف شيئا عن مستوى الوعي العام وسهولة العبث به.

وإذا كان الوعي مطلوبا في كل شيء، كما قال الإمام علي لكميل بن زياد: ”يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة“؛ فإنه في الشأن السياسي أكثر مطلوبية. وذلك أولا لتدخل السياسة في مختلف شؤون الحياة الخاصة والعامة، وثانيا لطبيعة السياسة وحساسيتها ودهاليزها، وثالثا لتأثير الوعي بها في اتخاذ القرارات المصيرية الصائبة.

السياسة في أحد تعريفاتها هي: الإنسان يحرك الإنسان. لذا فإن الوعي بمن يحرك، وكيف يحرك، ومن أي استمد صلاحية التحريك، وما هدف حركته، وإلى أين تتجه الحركة، كلها أمور ذات علاقة يومية مباشرة بكل فرد وحركته. تحت عنوان «السياسة في الحياة اليومية» يعطي ستيفن دي تانسي في كتابه: «علم السياسة - الأسس» مثالا افتراضيا ليوم شخص عادي وكيف تتأثر حياته بالسياسة في كل مقطع من مقاطع اليوم؛ ثم ينهي ذلك بالقول: ومن دون الدخول في التفاصيل الدقيقة ليومك، من الواضح أنك لا تكاد تمضي دقيقة واحدة في يومك إلا وللحكومة تأثيرها فيك بهذا الشكل أو ذاك «نوعية الهواء، وقوانين المرور، وقانون التوظيف، ولك أن تكمل بقية اللائحة بنفسك!».

وبرغم التصاقنا بالسياسة أو بتعبير أدق التصاق السياسة بنا، فإن الاهتمام العميق بوعيها لا يزال دون المستوى المنشود، ولذا حدث ما حدث من إخفاقات الربيع العربي، حتى اقترن ذكره بالفشل المريع. فالجماهير التي تحركت كان الانفعال هو سيد حركتها في أغلب الأحوال، وبالتالي لم تكن تمتلك ما يكفي من الوعي السياسي لترشيد الحركة وتسديدها نحو الهدف الصحيح.

يحدد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور صدقة بن يحيى فاضل في مقال له بجريدة المدينة، بعنوان: لمحة عن «الثقافة السياسية»... أو «الوعي السياسي»...؟! يحدد أهم عناصر الوعي السياسي لأي إنسان في التالي:

  1. معرفة بالواقع السياسي العام لمجتمعه والعالم من حوله، والمقصود معرفة حقيقية لظروف وطبيعة ذلك الواقع. «معرفة“ما هو كائن”».
  2. إلمام الشخص ب“البدائل”السياسية الممكنة والمتاحة، كأطر مجتمعية، وكحلول لما يعتري المجتمع المعني من مشكلات سياسية... ينجم عنها مشكلات مختلفة «معرفة منطقية ل“ما يجب أن يكون”».
  3. فهم معقول للمفاهيم والمصطلحات والتيارات السياسية الرئيسية السائدة والممكنة.

هذه العناصر يمكن استخدامها في قياس مستوى الوعي السياسي في مجتمع ما بعد تفكيك كل واحد منها إلى عناصر فرعية قابلة للقياس. وهذا ما نحتاجه من مراكز الدراسات المختصة التي أبعدتها السياسة عن السياسة.