آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 5:59 م

الجيل الشاب وحواضن الحب «1»

بدر شبيب الشبيب *

من السهولة توجيه النقد للجيل الشاب من الجنسين واتهامه باللامبالاة والاستهتار وعدم المسؤولية، لكننا حين التدقيق سندرك أن في ذلك الكثير من التجني عليه. فهذا الجيل الشاب كالأجيال الشابة قبله يمر بمرحلة عمرية لها سماتها وخصائصها المختلفة عما قبلها وعما بعدها. فهو - مثلا - في منطقة برزخية بين نزعة الاستقلال الذاتي وبين استمرار اعتماده على أسرته؛ وبين ضغط حاجاته الغريزية المندفعة من جهة وبين الكوابح الخارجية من جهة أخرى كالتعاليم الدينية أو التقاليد الاجتماعية التي تحاول أن تفرمل الاندفاع أو تقنن مساره في الاتجاه السليم. بل حتى على المستوى الفكري والإيماني ربما يعيش حالة من القلق، إذ قد تنقدح في ذهنه بعض الأسئلة التي تؤثر في يقينياته، بخاصة في هذا العصر الذي كثر فيه المرتابون وارتفعت الحدود الفاصلة في معركة صراع الأفكار.

الجيل الشاب الجديد في المجتمع العربي عموما يعيش وضعا في غاية الصعوبة والتعقيد. فهو من ناحية يختزن في داخله الطاقات الهائلة، ومن ناحية مقابلة لا يتوفر لديه الحد الأدنى المطلوب من قنوات ترشيد واستثمار تلك الطاقات، بل يجد الطرق مسدودة أمامه حتى في تحصيل حاجاته الأساسية. يبحث عن مقعد في الجامعة يناسب ميوله فلا يجده إلا بشق الأنفس، ثم بعد التخرج قد يكون نصيبه أن يكون رقما يضاف للأعداد المتزايدة من العاطلين، أو إذا كان من المحظوظين، وقليل ما هم، أن يحصل على وظيفة لا تتناسب ومؤهلاته وطموحاته. أما إذا تجرأ الشاب وفكر في الزواج فسيكون طريقه للقفص الذهبي مفروشا بسجاد الديون الأحمر. ولو تجرأ أكثر وحلم في امتلاك شقة صغيرة، فسينتهي به المطاف في بطن حوت البنوك الذي لا يشبهه بطن آخر نهما وظلمة.

هذا جزء مما يعانيه الجيل الشاب الجديد، أما الجزء الآخر فهو ما يمكن أن نسميه مصائد العولمة التي تحاول أن تجعل منه كائنا استهلاكيا. والخطير في الأمر كما يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «الشباب الخليجي والمستقبل» ”أن الاستهلاك المحموم في هذه الحالات، يستخدم أساسا للتغطية على الخواء الوجودي الذاتي حين نصبح مجردَ ما نستهلكه، وليس ما نصنعه أو ننجزه، أو ما ننميه في نفوسنا وكياننا“. إنها مصائد العولمة التي تريد أن تجعل من الأكثرية تعيش في ملهاة لا تنتهي، أو كما سماها بريجنيسكي مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ”Tittitainment.“ أي رضاعة التسلية، وهي رضاعة ليس لفطامها أمد، ولا تقدم سوى الأوهام والنجاحات التي لا نصيب لها على أرض الواقع.

كل ما مضى هو بعض الصورة عن الجيل الشاب وواقعه، وهي صورة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند التفكير في البرامج الموجهة لتنمية الشباب وتطويرهم وتحصينهم. الصورة تقول: إن ما يحتاجه الشباب قبل لومهم أو انتقادهم هو فهمهم واحتضانهم وإدماجهم اجتماعيا من خلال كافة المؤسسات المعنية بهم، أهلية كانت أو رسمية، فبإمكانهم أن يصنعوا الكثير لو أتيحت لهم القنوات المناسبة.

الحديث له تتمة في الجمعة القادمة بإذن الله.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.